ابن أبي العز الحنفي

439

شرح العقيدة الطحاوية

والزمر : 62 ، أي اللّه خالق كل شيء مخلوق ، فخدلت أفعال العباد في عموم : كل . وما أفسد قولهم في إدخال كلام اللّه تعالى في عموم : كل ، الذي هو صفة من صفاته ، يستحيل عليه أن يكون مخلوقا ! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم : كل ! ! وهل يدخل في عموم : كل إلا ما هو مخلوق ؟ ! فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم ، ودخل سائر المخلوقات في عمومها . وكذا قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ الصافات : 96 . ولا نقول إن : « ما » مصدرية ، أي خلقكم وعملكم - إذ سياق الآية يأباه ، لأن إبراهيم عليه السلام إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت ، لا النحت ، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق للّه تعالى ، وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم ، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا للّه تعالى ، ولو لم يكن النحت مخلوقا للّه تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له ، بل الخشب أو الحجر لا غير . وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة : أن العلم بأن العبد يحدث فعله - ضروري . وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجّح يجب وجوده عنده ويمتنع عنده عدمه - ضروري ، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري ، ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الاخر من الضرورة - غير مسلّم ، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري ، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق . فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة اللّه تعالى ، كما قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها الشمس : 7 - 8 . فقوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها الشمس : 8 - إثبات للقدر بقوله : فَأَلْهَمَها ، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية . وقوله بعد ذلك : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها الشمس : 9 - 10 - إثبات أيضا لفعل العبد . ونظائر ذلك كثيرة . وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرّقتهم ، بل مزّقتهم كل ممزّق ، وهي : أنهم قالوا : كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن اللّه يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم ؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم ؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس ، وكل منهم يتكلم في جوابه